محمد طاهر الكردي
40
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
المنحوت ، المدوّر على شكل عمد الرخام . وكملت هذه الأعمدة في أواخر شعبان سنة ( 804 ) ولم يبق غير عمل السقف ، فأخّر عمله لعدم وجود خشب بمكة يصلح لذلك ، حيث لا يوجد غير خشب الدوم ، وخشب العرعر ، وليس لذلك الخشب طول ولا قوة ، ويحتاج الأمر إلى خشب الساج وهو لا يوجد إلا بالهند ، أو خشب الصنوبر وهو لا يوجد إلا في بلاد الروم ، فاضطر الأمر إلى تأخير السقف لحينما يجلب الخشب اللازم لذلك من أي القطرين . وشكر الناس الأمير بيسق على سرعة إتمام هذا القدر من العمل في هذه المدة اليسيرة ومبادرته إلى تنظيف المسجد الحرام وجعله صالحا للصلاة فيه ، وكان ذا همّة عالية وحسن توجه ، وكان كثير الصدقة والإحسان ، ثم حج الأمير بيسق في ذلك العام وعاد إلى مصر ، لتجهيز ما يحتاج إليه من الخشب ، لإكمال سقف المسجد الحرام ، فوصل إلى مصر في أوائل سنة ( 805 ) هجرية . ثم في سنة ( 807 ) قدم إلى مكة الأمير بيسق ، لعمارة سقف الجانب الغربي من المسجد الحرام مما تشعّب من سقف المسجد الحرام ، من بقية الجوانب الأخرى ، فنهض إلى هذه الخدمة الشريفة والمنقبة الكبيرة ، التي خلّدها التاريخ له ، طيلة هذه القرون ، وذلك بعد أن أحضر الأخشاب المناسبة لذلك ، وجلبها من بلاد الروم ، وهيّأها للسقف ، ونقشها بالألوان وزوّقها ، واستعان أيضا بكثير من خشب العرعر ، الذي يؤتى به من جبال الطائف ، من جهة الحجاز ، لعدم كفاية الخشب الذي أتى به ، وبذل همته واجتهاده إلى أن سقف جميع الجانب الغربي من المسجد الحرام ، والجانب الشامي إلى باب العجلة ، فتمّ عمارة المسجد الحرام على تلك الصورة ، وعلّق في تلك السقوف سلاسل من نحاس وحديد ، لتعليق القناديل في الرواق الوسطاني ، من الأروقة الثلاثة ، على حكم سائر المسجد الحرام . غير أن الجانب الشرقي ، واليماني ، وأكثر الشامي إلى باب العجلة ، كان في كل عقد من العقود ، التي على صحن المسجد الشريف ، ثلاث سلاسل : أحدها في وسط كل عقد ، والثاني عن يمينه ، والثالث عن شماله ، لتعليق القناديل ، كما أنه كان بالجانب الغربي ، قبل احتراقه مثلها ، فلما عمر لم تعلّق فيه السلاسل على حسب ما كان فيه سابقا ، بل علّق فيه حسبما تقدم ذكره ، وعمر مع ذلك في الجوانب الثلاثة من المسجد الحرام مواضع كثيرة من سقفها ، كان قد انكسر أعوادها وأتقن عملها . وعمّر في صحن المسجد من المقامات الأربعة ، على الهيئة القديمة ، وبذل